الدولار يواصل الارتفاع أمام الدينار الليبي رغم إعلان المركزي "نجاح خطة التوريد"

20 مايو 2026 — ليبيا برس

كشف مصرف ليبيا المركزي عن نجاح المرحلة الأولى من خطة توريد وتوزيع الدولار عبر المصارف التجارية، إلا أن العملة الأمريكية لا تزال تواصل صعودها أمام الدينار الليبي في السوق الموازية، مما يثير تساؤلات جدية حول فعالية السياسة النقدية الحالية.

الفجوة بين السياسة والواقع

خلال لقاء جمع محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى بوفد من بنك "نوميسما"، روّج المركزي لآليته الجديدة لتوريد وتوزيع الدولار للمواطنين عبر منظومة الأغراض الشخصية والمصارف ومكاتب الصرافة. جاءت هذه الخطوة للحد من المضاربة وامتصاص الطلب المتزايد على النقد الأجنبي.

غير أن هذه الإجراءات لم تنعكس بصورة واضحة على السوق. فلا يزال الدولار يُتداول في السوق الموازية عند مستويات تتراوح بين 8 و8.5 دنانير، بينما يواصل سعر الدولار عبر الصكوك تسجيل ارتفاعات متتالية ليبلغ نحو 8.53 دنانير.

وفي المقابل، يبلغ السعر الرسمي للمركزي نحو 6.34 دنانير للدولار — مما يكشف عن فجوة تتجاوز 30% بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.

لماذا تفشل الإجراءات؟

يرى مراقبون أن استمرار الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق يعكس محدودية تأثير الإجراءات الحالية. فضخ العملة الأجنبية وحده لا يكفي دون أدوات رقابية فعالة تحد من المضاربة والطلب التجاري غير المنظم.

ولم تنجح وفرة الدولار داخل بعض المصارف حتى الآن في إعادة الثقة إلى السوق أو دعم قيمة الدينار الليبي، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية وعدم تسجيل أي تحسن ملموس في القدرة الشرائية للمواطنين.

ويتساءل الجميع: هل تكفي عمليات ضخ الدولار وحدها لإحداث استقرار حقيقي في سعر الصرف؟ الإجابة عند الخبراء تبدو واضحة — ما لم تتم معالجة الأسباب الجذرية، وعلى رأسها غياب السياسة المالية الموحدة ونظام سعر الصرف المزدوج وغياب الرقابة الفعالة، ستبقى هذه الإجراءات تجميلية.

أزمة التواصل

تواجه آلية التواصل التي يعتمدها المركزي انتقادات متزايدة. فبدلاً من عقد مؤتمرات صحفية دورية والتفاعل المباشر مع الجمهور، يكتفي المصرف غالباً بنشر بياناته عبر صفوحاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي — وهو ما يعتبره كثيرون غير كافٍ ويفتقر إلى الشفافية.

وقد عززت فجوة التواصل هذه الشكوك العامة حول قدرة المصرف على إدارة أزمة العملة، خاصة في ظل عدم وجود علاقة واضحة بين الإعلانات الرسمية والواقع الاقتصادي اليومي للمواطنين.

أرقام تكشف حجم الأزمة

وفقاً لبيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغ سعر صرف الدولار الرسمي 6.34 دنانير، بينما يتجاوز في السوق الموازية 8 دنانير. وتمثل هذه الفجوة نحو 26% على الأقل، وهي من أعلى النسب في المنطقة.

وتشير بيانات البنك الأفريقي للتنمية إلى أن الدينار الليبي فقد نحو 15.5% من قيمته خلال العام الماضي أمام الدولار الأمريكي، فيما بلغت خسائره الشهرية نحو 0.58%.

تأثير على حياة المواطنين

لا تنعكس أزمة سعر الصرف فقط على الأرقام، بل تمتد إلى حياة المواطن اليومية. فارتفاع الدولار يعني ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والوقود المستورد، مما يزيد الأعباء على الأسر الليبية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات العامة وانقطاع الكهرباء.

وتؤكد تقارير أممية أن نحو 30% من الليبيين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما يتفاقم مع كل موجة تضخم جديدة مدفوعة بتراجع قيمة العملة المحلية.

الطريق إلى الأمام

تتجذر أزمة العملة في ليبيا في سنوات من الانقسام السياسي، حيث تعمل إدارات مصرفية متنافسة في الشرق والغرب. ورغم جهود المركزي لتوحيد السياسة النقدية، لا يزال السوق الموازية يزدهر مدفوعاً بانعدام الثقة في القنوات المصرفية الرسمية والطلب المستمر على العملة الصعبة.

ويقول اقتصاديون إن تحقيق استقرار حقيقي في سعر الصرف يتطلب ليس فقط زيادة المعروض من الدولار، بل أيضاً إصلاحات هيكلية تشمل حكماً مالياً موحداً ورقابة أقوى على سوق الصرف الأجنبي وتدابير لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

وفي الوقت الراهن، يظل المواطن الليبي الضحية الأكبر لفجوة سعر الصرف، يراقب قدرته الشرائية تتآكل مع كل صعود جديد في سعر الدولار.