العدالة الانتقالية في ليبيا: طريق طويل نحو المحاسبة والمصالحة

بعد أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا عالقة في دورة من الإفلات من العقاب والانقسام السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان دون حسم. عملية العدالة الانتقالية التي كان مفترض أن تعالج عقوداً من الديكتاتورية وجرائم الحرب والفظائع الجماعية تعثرت وسط حكومتين متنافستا ومجموعات مسلحة ونظام قضائي منهار. مع وجود أكثر من تسعة عشر ألف معتقل في السجون الرسمية ومقابر جماعية لا تزال تُكتشف، يبقى الطريق نحو المحاسبة محفوفاً بالتحديات.

الحقائق الرئيسية: دولة منقسمة وعدالة معلقة

تُحكم ليبيا من قبل إدارتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية المتمركزة في طرابلس بقيادة عبدالحميد الدبيبة، وحكومة الاستقرار الوطنية في الشرق المدعومة من برلمان طبرق. لم تُجرَ انتخابات وطنية منذ عام 2014، ولا يزال الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2011 الإطار الحاكم الوحيد. مشروع الدستور الذي أعدته هيئة صياغة الدستور المنتخبة في يوليو 2017 لم يُعرض على استفتاء شعبي قط.

وتواصل المجموعات المسلحة عملها بمناعة شبه تامة. في أغسطس 2023، أسفرت اشتباكات في طرابلس بين ميليشيايتين رئيسيتين مرتبطتين بوزارتي الداخلية والدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عن مقتل خمسة وخمسين شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من مئة. وفي بنغازي، أجبرت فرقة طارق بن زياد أكثر من عشرين ألف ساكن على إخلاء منازلهم وهدمت أحياء بأكملها بما فيها مواقع تراثية دون أي تعويض. أما المقابر الجماعية المكتشفة في ترهونة حيث أرعبت ميليشيا العائلة السكان بين عامي 2014 و2020، فلم تُسفر حتى الآن عن محاكمة واحدة.

ردود الفعل والسياق: نداءات دولية للمحاسبة

وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش انتهاكات واسعة النطاق ارتكبتها مجموعات مسلحة على الجانبين، مشيرة إلى أن القضاة والمحامين والمدعين العامين يواجهون مضايقات واعتداءات. وتستمر المحاكم العسكرية في محاكمة المدنيين، فيما يظل نظام العدالة الجنائية الليبي معطلاً بشكل عميق. ودعا خبراء الأمم المتحدة مراراً إلى إجراء تحقيقات مستقلة، لا سيما بعد إعصار دانيال الذي ضرب درنة في سبتمبر 2023 وأسفر عن مقتل أربعة آلاف وثلاثمئة واثنين وخمسين شخصاً وتشريد ثلاثة وأربعين ألفاً وأربعمئة، في كارثة تفاقمت بسبب انهيار سدّين لم يخضعا للصيانة الوقائية.

ويعمل المركز الدولي للعدالة الانتقالية في ليبيا منذ عام 2011، حيث يدعم توثيق الانتهاكات والإصلاح القانوني ومشاركة الضحايا. غير أن المنظمة أقرت بأنه بدون إرادة سياسية وإصلاح مؤسسي تظل العدالة الانتقالية رمزية إلى حد كبير. كما دعا مؤتمر برلين في يناير 2020 الذي حضره ممثلون من اثنتي عشرة دولة ومنظمات دولية إلى المحاسبة وإنهاء التدخلات الأجنبية، لكن مخرجاته لم تحدث أثراً يُذكر على أرض الواقع.

التحديات والمستقبل: هل تستطيع ليبيا تحقيق العدالة؟

يتمثل العائق الأكبر أمام العدالة الانتقالية في ليبيا في غياب الدولة الموحدة. فمع وجود حكومتين وفصائل مسلحة متعددة وقوى أجنبية بما فيها تركيا ومجموعة فاغنر الروسية وأطراف إقليمية متجذرة بعمق في النزاع، يصبح إنشاء آليات محاسبة ذات مصداقية أمراً بالغ الصعوبة. ولم تصادق ليبيا على معاهدة حظر الألغام أو اتفاقية الذخائر العنقودية، ولا تزال الألغام الأرضية من نزاعات يعود بعضها إلى الحرب العالمية الثانية تحصد أرواح المدنيين.

وعلى الرغم من هذه التحديات، تواصل منظمات المجتمع المدني الليبية توثيق الانتهاكات والدفاع عن الضحايا. وتمضي الهيئة العامة للبحث عن المفقودين وتحديد هوياتهم قدماً في عملها بترهونة. وتؤكد المنظمات الدولية أن أي سلام دائم يجب أن يتضمن كشف الحقيقة والتعويضات والإصلاح المؤسسي. وبدون هذه الركائز، تخاطر ليبيا بأن تظل دولة يعمل فيها الأقوى فوق القانون، وتُترك ضحايا عقود من العنف دون عدالة أو اعتراف.

يواجه المجتمع الدولي اختباراً حاسماً: هل سيستثمر في آليات محاسبة حقيقية أم سيستمر في التعامل مع الانقسامات الليبية باعتبارها مشكلة سياسية بحتة؟ بالنسبة لملايين الليبيين الذين عانوا من الديكتاتورية والحرب والتشريد، ليست العدالة الانتقالية مفهوماً مجرداً، بل هي السبيل الوحيد نحو مستقر مستقبل كريم ومستقر.