تشكيك متزايد بقدرة مجلسي النواب والدولة على حلحلة الأزمة الليبية خلال 45 يوماً

أثمر الحوار المهيكل الذي رعته البعثة الأممية في ليبيا عن مهلة جديدة مدتها 45 يوماً لمجلسي النواب والدولة للتوافق حول قانوني الانتخابات العامة، إلا أن هذه المهلة قوبلت بموجة واسعة من التشكيك من سياسيين وخبراء قانونيين ليبيين رأوا أنها لا تعدو كونها حلقة جديدة من مسلسل إطالة أمد الأزمة السياسية المستمرة منذ أكثر من عقد.

خلافات جوهرية ومهلة لم تسبقها نية صادقة

انتهى الحوار المهيكل الأسبوع الماضي إلى مخرجات تستهدف كسر حالة الانسداد السياسي والتمهيد لإجراء انتخابات عامة، غير أن ناشطين ليبيين تداولوا مقطعاً مصوراً لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح وصف فيه المجلس الأعلى للدولة بأنه جسم "معرق"، مما عزز المخاوف من غياب الإرادة الحقيقية للاتفاق. المراقبون يرون أن الخلافات الممتدة بين المجلسين أسهمت في إطالة الأزمة التي تفاقمت جراء الانقسام المؤسسي وصراع حكومتين على السلطة.

وتتوزع السلطة فعلياً بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس غرباً، وحكومة كلفها البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير شؤون شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب، وهو انقسام يُنفق ثروات النفط ويُضعف الخدمات ويُبقي البلد رهينة التجاذبات.

حقائق أساسية: ما الذي يُنتظر من المهلة الجديدة

  • منح الحوار المهيكل مجلسي النواب والدولة 45 يوماً للتوافق على قانونين انتخابيين لم يُحسم الخلاف بشأنهما منذ أكثر من عامين.
  • يبقى ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للرئاسة من أكثر الملفات تعقيداً وأبرز نقاط الخلاف الجوهرية بين المجلسين.
  • أحال البرلمان قوانين الانتخابات المُقرّة إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بينما طالب المجلس الأعلى للدولة بإجراء تعديلات عليها قبل المصادقة.
  • تشهد الساحة الليبية مساراً تفاوضياً بديلاً عبر لجنة "4+4" التي تضم ممثلين عن حكومة الوحدة والمجلس الأعلى للدولة والقيادة العامة للجيش الوطني والبرلمان، وتحظى بدعم أمريكي.
  • تتشكك أصوات داخل البرلمان نفسه في إمكانية تحقيق توافق حقيقي خلال المهلة المحددة.
  • صمت المجلسين إزاء مخرجات الحوار وعدم صدور أي بيان رسمي بشأنها يُعد مؤشراً مقلقاً بحسب مراقبين.

"استمرار في إهدار الوقت" — خبير قانوني

الباحث القانوني الليبي هشام سالم الحاراتي رأى أن منح المجلسين مهلة جديدة يمثل "استمراراً في إهدار الوقت وإطالةً لعمر الأزمة السياسية". وتساءل الحاراتي في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط عن إمكانية توافق المجلسين خلال 45 يوماً "بعدما فشلا لسنوات في تجاوز خلافات جوهرية بشأن شروط الترشح للرئاسة". واعتبر أن مخرجات الحوار أخفقت في تقديم حلول عاجلة رغم تفاقم الانقسام السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

شكوك من داخل البرلمان نفسه

ولم يقتصر التشكيك على أصوات مستقلة، إذ استبعد النائب سليمان سويكر إمكانية تحقيق توافق حقيقي، مؤكداً أن مخرجات الحوار لم تطرح أي جديد يُبنى عليه. وأشار إلى أن البعثة الأممية كان يفترض أن تضطلع بدور أكثر فاعلية في تقريب وجهات النظر بين المجلسين، لا إعادة تدوير الأزمة في صورة توصيات جديدة.

بدوره، شكك النائب عمار الأبلق في قدرة المجلسين على تجاوز أزمة الثقة والخلافات، لافتاً إلى تمسك البرلمان بمخرجات اللجنة المشتركة 6+6 التي أقرت القوانين الانتخابية منذ أكثر من عامين، بينما يطالب المجلس الأعلى للدولة بإجراء تعديلات. ورأى الأبلق أن مبادرة المستشار الأمريكي مسعد بولس لا تزال الأرجح للتطبيق نظراً للثقل الأمريكي والمساعي الدبلوماسية لواشنطن.

تفاؤل حذر من مجلس الدولة

في المقابل، أكد عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب أن الأجواء قد تكون مهيأة للاستفادة من المهلة الجديدة، مشيراً إلى وجود تفاهمات واسعة بين وفدي المجلسين خلال اجتماع لجنة 6+6 في طرابلس. ومع ذلك، أبدى أسفه لتصريحات رئيس البرلمان المتكررة واتهاماته للمجلس الأعلى للدولة، مؤكداً أن مجلسه منفتح وجاد للحوار بما يفضي إلى إجراء الانتخابات في ضوء ما نص عليه الاتفاق السياسي الليبي. واختتم معزب بأن التشكيك "صادر عن اليائسين والشامتين والساعين لتشكيل لجنة حوار جديد يكونوا أعضاء فيها".

لماذا يهم هذا كل مواطن ليبي

تتجلى الأزمة السياسية في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الليبي: انقسام المؤسسات المالية وتذبذب إيرادات النفط وتدهور البنية التحتية وضعف الخدمات الصحية والتعليمية وانعدام الأمن في مناطق عديدة. بعد أكثر من 12 عاماً على سقوط النظام السابق، لا تزال ليبيا بلا دستور دائم ولا حكومة منتخبة ولا إطار تشريعي محدد للاستحقاقات.

المهلة الـ45 يوماً هي الاختبار الأحدث لمعرفة ما إذا كانت المؤسسات المتنافسة قادرة على تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات السياسية الضيقة. المواعيد النهائية السابقة انتهت كلها دون نتائج ملموسة. وقد يتوقف نجاح هذه الجولة بشكل أقل على المجلسين ذاتهما وبشكل أكبر على الإرادة الدولية لفرض المساءلة وتنفيذ الالتزامات.

— ليبرس / مكتب السياسة