صندوق غداء حراري مع حقيبة محمولة
وفر 24%! اشترِ صندوق غداء حراري مع حقيبة محمولة بسعر 298 د.ل فقط في ليبيا. متوفر
🛒 تسوق الآن
Libya Press
بينما تتسابق شركات النفط الدولية للعودة إلى قطاع الطاقة الليبي، تكشف تحقيقات جديدة مُفزعة عن حجم الفساد المُنظم الذي يُعاني منه هذا القطاع الحيوي. تُفيد منظمة "سنتري" المتخصصة في رصد التدفقات المالية غير المشروعة بأن ما يقارب عشرين مليار دولار تم نهبها من برنامج دعم الوقود في ليبيا خلال الفترة بين عامي 2022 و2024 فقط. بالنسبة للمواطن الليبي العادي، تتجلى هذه الأزمة في طوابير الوقود الطويلة والأسعار السوداء التي تصل إلى أربعين ضعفاً عن السعر الرسمي، إضافة إلى انهيار الخدمات العامة.
في عام 2021، أقدمت مؤسسة النفط الليبية على اعتماد نظام مقايضة النفط الخام بالوقود المكرر المستورد، وهو نظام تجاوز الرقابة المصرفية للبنك المركزي. فبدلاً من تمرير عائدات بيع النفط الخام عبر ميزانية الدولة، قامت المؤسسة بتبادل النفط الليبي مباشرة مع وقود مكرر مستورد. هذه الآلية المحاسبية الموازية سمحت بمضاعفة واردات الوقود خلال ثلاث سنوات فقط، لتصل إلى نحو مليون وأربعين لتراً يومياً بحلول أواخر عام 2024 - وهو رقم يفوق بكثير الاستهلاك المحلي الحقيقي. يُقدر المحققون أن أكثر من نصف الوقود المستورد يُهرب خارج البلاد بحراً وبراً، مولّداً مليارات الأرباح غير المشروعة للميليشيات والنخب السياسية على جميع أطراف الانقسام الليبي.
برز صدام حفتر، نجل قائد القوات المسلحة العربية الليبية خليفة حفتر، كشخصية محورية في شبكة التهريب، حيث سيطر على الطرق البحرية انطلاقاً من ميناء بنغازي القديم والممرات البرية نحو أفريقيا جنوب الصحراء. ويعمل الضابط علي المشاي، أحد مرؤوسي صدام، كحارس بوابة رئيسي لعمليات الشحن. لكن المؤامرة لا تقتصر على الشرق: فأمراء الحرب في الغرب بمن فيهم محمد كشلاف من الزاوية وعمر بوغدادة من مصراتة - المقربون من رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة - يستفيدون أيضاً من هذه التجارة. وبحلول عام 2024، بلغت قيمة الوقود المدعوم المسروق نحو سبعة مليارات دولار سنوياً، أي ما يعادل حوالي خمسة عشر بالمئة من إجمالي الإنفاق العام.
حذّرت يوستينا غودزوفسكا، المديرة التنفيذية لمنظمة سنتري، الشركات الأجنبية المتطلعة للمشاركة في أول جولة تراخيص نفطية في ليبيا منذ ما يقارب عقدين من الزمان، من ضرورة توخي أقصى درجات الحذر. وكتبت في مقال بصحيفة فورين بوليسي: "لا يمكن لشركات النفط الدولية أن تعمل إلا مع دولة ليبية فعالة وشفافة وخاضعة للمساءلة." وكشف التحقيق أن روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة سهّلت بصمت عمليات التهريب بمليارات الدولارات. فقد حوّل تحالف حفتر وقوداً مدعوماً من ديزل وبنزين ووقود طائرات إلى العسكريين الروس المتمركزين في القواعد الجوية الليبية، الذين يعيدون شحنه إلى المهام الروسية في أنحاء أفريقيا. كما زوّدت الشبكة نفسها قوات الدعم السريع في السودان بالوقود، مما مكّنها من ارتكاب فظائع في دارفور حتى بعد سقوط الفاشر.
يشير محللون غربيون إلى أن قطاع النفط الليبي لا يزال مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالدولار الأمريكي، مما يمنح واشنطن وحلفاءها نفوذاً كبيراً لفرض شروط على الشركات الدولية العائدة. غير أنه بدون ضمانات حقيقية لمكافحة الفساد، يحذر الخبراء من أن الاستثمارات الجديدة قد تُرسّخ ذات الشبكات التي أنهكت الدولة الليبية.
أعلنت مؤسسة النفط في وقت سابق من هذا العام أنها ستنهي نظام مقايضة النفط بالوقود، إلا أن حجم الواردات لا يزال مرتفعاً بشكل غير مبرر، والتهريب الواسط النطاق مستمر. تراجع الدينار الليبي بشكل حاد، وتضخم أسعار المستهلك في تصاعد مستمر، والبنك المركزي يفتقر إلى العملة الصعبة اللازمة لاستيراد الغذاء والدواء الضروريين. أصبح مواطنو إحدى أغنى الدول النفطية في أفريقيا يواجهون بشكل روتيني نقص الوقود وأسواق سوداء تلتهم جزءاً كبيراً من دخل الأسر.
يتطلب الطريق إلى الأمام أكثر من حلول تقنية. يقول الخبراء إن الإصلاح الحقيقي يقتضي تفكيك شبكات الميليشيات التي تسيطر على طرق التهريب، وإرساء إدارة مالية عامة شفافة، ومحاسبة الجهات المحلية والدولية المتورطة. بدون هذه الخطوات، ستستمر ثروة ليبيا النفطية في إثراء نخبة فاسدة بينما يدفع المواطن العادي الثمن - ويخاطر المستثمرون الأجانب بالتواطؤ في النهب.
بينما تستعد ليبيا لاستقبال شركات النفط الدولية على أراضيها من جديد، يبقى السؤال المطروح: هل ستجلب الصفقات الجديدة الرخاء للشعب الليبي، أم أنها ستُغذي ببساطة الآلة التي سرقت عشرين مليار دولار في ثلاث سنوات فحسب؟