ليبيا ومنظمة الصحة العالمية تطلقان إصلاحاً صحياً شاملاً بإطار استراتيجي 2026-2027

شراكة تاريخية لتحقيق التغطية الصحية الشاملة

وقّعت وزارة الصحة الليبية اتفاقية إطار تعاون استراتيجي تاريخي مع منظمة الصحة العالمية في الخامس من مايو 2026، في خطوة تُعدّ من أضخم مبادرات إصلاح القطاع الصحي في تاريخ ليبيا الحديث. وقد وقّع الاتفاق في طرابلس كل من وزير الصحة الدكتور محمد الغوج وممثل منظمة الصحة العالمية الدكتور أحمد زويتن، بحضور الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط. ويضع هذا الإطار خارطة طريق شاملة للشراكة التقنية خلال عامي 2026 و2027، تهدف إلى إعادة بناء المنظومة الصحية الليبية من الصفر.

خطة المئة يوم تحقق نتائج ملموسة

جاء الإعلان عن الإطار الاستراتيجي بالتزامن مع نتائج مبادرة المئة يوم الصحية التي أطلقتها الوزارة، والتي أعلنت عن إنجازات مبكرة بارزة في عدة مؤشرات صحية. ومن أبرز هذه الإنجازات: نجاح عملية زرع أول منظم ضربات قلب لاسلكي في ليبيا، وهي العملية الثامنة من نوعها على مستوى القارة الأفريقية بأكملها. وقد ركّزت المبادرة على النشر السريع للخدمات الصحية الحرجة، وتحديث البنية التحتية للمستشفيات، وتسريع برامج تدريب الكوادر الطبية في مختلف أنحاء البلاد. وتُشير هذه النتائج المبكرة إلى زخم جديد في قطاع صحي عانى لأكثر من عقد من النزاعات المسلحة.

المحاور الخمسة لإصلاح 2026-2027

يقوم برنامج الإصلاح في إطار الشراكة مع منظمة الصحة العالمية على خمسة محاور أساسية:

  • إصلاح المنظومة الصحية — إعادة هيكلة الحوكمة والتمويل وتقديم الخدمات لبناء منظومة صحية وطنية موحدة
  • تعزيز الرعاية الصحية الأولية — إعادة بناء العيادات وشبكات الصحة المجتمعية لتقديم الخدمات الأساسية على مستوى الأسر
  • التحول الرقمي الصحي — إدخال السجلات الصحية الإلكترونية والطب عن بُعد واتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات
  • المرونة المناخية — تجهيز البنية الصحية لمواجهة التهديدات الصحية المرتبطة بالمناخ بما فيها موجات الحر والأمراض المنقولة بالمياه
  • التأهب للطوارئ — تطوير أنظمة الإحالة والاستجابة السريعة لتفشي الأمراض وحالات الإصابات الجماعية

نشر 3500 زائر صحي في جميع أنحاء ليبيا

في خطوة تكميلية في يونيو 2026، أبرمت وزارة الصحة شراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة لإطلاق البرنامج الوطني للصحة المجتمعية، الذي يستهدف تدريب ونشر 3500 زائر صحي خلال العامين المقبلين. وسيعمل هؤلاء العاملون في الخطوط الأمامية على ربط المرافق الصحية مباشرة بالأسر، من خلال تقديم دعم صحة الأم والطفل، وفحص التغذية، والترويج للتحصين، والتثقيف الصحي والنظافة، وتوزيع مجموعات الإسعافات الأولية على عتبة المنازل. وقال الدكتور أحمد زويتن، ممثل منظمة الصحة العالمية في ليبيا: "هذا الإطار ليس مجرد خطة عمل، بل هو التزام مشترك تجاه كل طفل وكل أم وكل مريض وكل عامل صحي في ليبيا بأن المستقبل سيكون أكثر صحة وازدهاراً للجميع."

لماذا يهم هذا الملايين من الليبيين

يعاني القطاع الصحي الليبي من أزمة حادة منذ عام 2011. فقد خلفت سنوات النزاع المسلد مستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر، وسلاسل إمداد طبية مكسورة، وتشير التقديرات إلى أن 70 بالمئة من مرافق الرعاية الصحية الأولية إما متضررة أو متوقفة عن العمل في المناطق المتأثرة بالنزاع. بالنسبة للمواطن الليبي العادي — وخاصة الأمهات والأطفال وكبار السن — لا يزال الحصول على الرعاية الصحية الأساسية تحدياً يومياً. ويمثل التقاء الإطار الاستراتيجي مع منظمة الصحة العالمية، وبرنامج الصحة المجتمعية مع اليونيسف، والاستراتيجية الوطنية لصحة المدارس، أكثر المحاولات تنسيقاً منذ سنوات لعكس مسار هذه الأزمة. وقال الوزير الغوج: "يعكس هذا الإطار أولوياتنا الوطنية ويعزز جهودنا لضمان الوصول العادل إلى خدمات صحية عالية الجودة لجميع الليبيين."

نقطة تحول — لكن التحديات لا تزال قائمة

يحذّر الخبراء من أن تنفيذ إصلاحات صحية في المشهد السياسي والجغرافي المعقد لليبيا يظل تحدياً هائلاً. فالانقسام في هياكل الحكم، وفجوات التمويل، ونقص الكوادر الطبية المدربة، كلها عقبات كبيرة. غير أن توافق الشركاء الدوليين، ووضوح الإطار الموجه نحو النتائج، والإنجازات المبكرة المرئية، توفر أسباباً حقيقية للتفاؤل. وبالنسبة لملايين الليبيين الذين حرموا من الرعاية الصحية الموثوقة لأكثر من عقد، فإن السؤال لم يعد هل الإصلاح ضروري — بل هل ستتحول هذه الوعود هذه المرة إلى تغيير حقيقي ومستدام على أرض الواقع.

— ليبرابريس / مكتب الصحة